صراع المضايق.. إيران في «باب المندب»!!

img

محمد صقر

منذ ثلاثين عامًا كنا ندرس ويكرر على مسامعنا المعلمون مدى الفخر بانتمائنا إلى عالم عربي يتوسط قارات العالم.. شملت دراستنا وتكرار معلمينا حديثًا يدعو للفخر حول مقدراتنا الرغدة ومضايقنا البحرية المتحكمة في مصير العالم.. تجارةً وحربًا. كان عدونا محدَّدا وواضحًا لا نخطئه صغارًا وكبارا.. كان الكيان الصهيوني «إسرائيل».. تساءلنا يومئذٍ: ألا يعلم من في سدات حكم بلادنا أهمية ما نتعلمه عن أهمية موقع عالمنا العربي!

أمَّلنا وأمَّل المعلمون أن يكبر من يصبح في سدة الحكم ويغير من واقعنا شيئا.. أن يحرر من إرادتنا شيئًا.

كنا نلمح اسم «بلاد فارس» إلى الشرق من عالمنا العزيز، ولا نجيل في هذا الجار الذي سيثير المتاعب مستقبلا -والذي هو بالمناسبة أخٌ من قديمٍ- النظر كثيرًا. لقد انصب اهتمامنا على الاسم الذي يغرق في مياه الخليج إلى الشرق من ديارنا العربية.. هل هو «الخليج الفارسي» أم «العربي»! وتسامحنا في الخرائط القديمة.. ومنَّينا الأنفس بألا نرى في المستقبل كلمة «الفارسي» عائمةً فوق لُجَّة «خليج العرب» في خرائط تُطبَع بعد.. تمامًا كما أسفنا -ومن دون جدوى أو ردة فعلٍ غير البصق على الخرائط ونحن منتفخو الأوداج- على اسم «إسرائيل» في الخرائط المدرسية.

ثلاثة أو أربعة عقودٍ فحسب، ولم تعد تخوم «إسرائيل» في مكانها القديم، ولا قضيتنا مع «بلاد فارس» في اسم خليجٍ عربي أو فارسي. أكانوا يدرسون ما كنا ندرس، ويكرر عليهم المعلمون ويؤملون فيهم ما كُرِّر علينا وأمِّل فينا، وتنتهي علاقتهم بمحيطاتهم وبمن حولهم عند حدود الخرائط في المدرسة؟.. أكانت خرائطهم هي نفسها الخرائط التي أشار لنا إليها معلمونا عليهم رحَمَات الله؟

«باب المندب».. ذلك المضيق العربي الخالص بطرفيه الشرقي اليمني والغربي على ساحل جيبوتي أفرحتنا ذكراه مرتين.. حين انضمت الأخيرة إلى جامعة الدول العربية في 1397/1977م، وحين تحققت وحدة اليمن في 1410/1990م.. في الأولى قلنا لقد صار المضيق عربيًّا خالصا، وفي الثانية قلنا ها هي عروبته تتقوَّى.

أصبح «باب المندب» -من يومئذٍ- منفذًا للإخراج في أدنى مريء العالم الذي تمدد عبر «البحر الأحمر»؛ الذي هو بدوره بحيرةٌ كاملة العروبة، وفمه «قناة السويس» التي تشق أرضًا مصرية وعربية صِرفًا.. تحررت هي أيضًا في العاشر من رمضان عام 1393هـ، وبتنا على وعدٍ من صباحٍ جديد…

اليوم تأتي رياح «البحر الأحمر» وتعبر القناة والمضيق ما لا تشتهيه سفن العرب المحملة بمقدراتهم من نفطٍ وغيره. «باب المندب»، وباعتباره أحد أهم المحاور الرئيسة في معادلة القوى العالمية، وحيث يتحكم في نسبةٍ ذات وزنٍ أثقل من حاملات النفط العربي من الملاحة العالمية، ومع تراجع دور الدولة في اليمن إثر الحرب الناتجة من «الربيع اليمني»، فتفقد إحكام سيطرتها على المضيق، ومع استقطاب إيران النفوذ الحوثي في اليمن، بات ميزان القوى بين العرب وإيران في «باب المندب» قلقًا، ولربما يميل يومًا عن يومٍ إلى ناحية إيران، وتسعى هي -ممثلة في عملائها الحوثيين- إلى تعزيز تواجدٍ عسكري بري في محافظة تعز ذات التضاريس الجبلية إلى شرق «باب المندب»، وإلى تواجدٍ بحري في «بحر العرب» على مقربةٍ من مدخل المضيق.

إن «باب المندب» -بغير جدالٍ- أحد الممرات البحرية الأكثر أهميةً في العالم؛ إذ يصل «المحيط الهندي» فـ«بحر العرب» فـ«خليج عدن» بـ«البحر الأحمر» بـ«قناة السويس» بـ«الأبيض المتوسط» بمضيق «جبل طارق» بـ«البحر المحيط»، ولعل هذا أكثر -إن لم يكن كل- ما يهم العالم من مياهٍ وبحار.

يقع المضيق بين الإحداثيات (12o28’40 شمالا، و43o19’19 شرقا) و(12o40’20 شمالا، 43o27’30 شرقا) بسعة 20 ميلا بين الضفتين، ويربط آسيا عند رأس «منهالي» اليمنية بإفريقية عند رأس «سيان» الجيبوتية، وتشطره جزيرة «بريم» أو «مَيّون» اليمنية إلى قناتين، ويصل عمقه إلى 310 أمتار. وتمخر عبابه كل عام 25 ألف سفينة، تمثل 7% من الملاحة العالمية، وتزيد أهميته بسبب وقوعه بين «قناة السويس» ومضيق «هرمز»؛ فلم يلتفت العالم إلى أهمية المضيق قبيل افتتاح «قناة السويس»؛ التي ربطت بين البحرين «الأحمر» و«الأبيض»، فسلس اتصال العالم شرقه بغربه وشماله بجنوبه.

إيران التي لا تدع للعرب مكيدةً إلا دبَّرتها، سعت دوما إلى السيطرة على المضيق؛ لتضيق الخناق على سفن النفط، وتخنق الإرادة العربية، فشجعت أدواتها من الحوثيين على السيطرة على مدينة «المخلا» الساحلية على مبعدة 60 كم شرق المضيق؛ فأسالت بذلك أطماع القوى الكبرى، ونبهتها إلى ضرورة التواجد هنالك؛ من خلال لعبة العصر وإقامة القواعد العسكرية في المنطقة؛ فتملكت الولايات المتحدة الأمريكية قاعدة في «جيبوتي»، وكان لفرنسا حضورٌ عسكريُّ قديمٌ فيها، ثم تسللت قوى دولية من خلال «الأمم المتحدة» بدعوى تنظيم الممرات المائية الدولية؛ حيث دخلت اتفاقية «جامَيكا» حيز التنفيذ في نوفمبر 1994م.

أرادت إيران -من تواجدها وعملائها حول المضيق- خنق العرب.. وهي دائمة عمل المناورات العسكرية هنالك، وكأن توحي بأنها باتت قوة إقليمية وبحرية بخاصة لا تخفي ولا توجل من طموحها في المنطقة، ومن سعيها إلى التحكم في الملاحة في «باب المندب»، بعد أن أحكمت السيطرة على مضيق «هرمز»، عبر احتلال جزر الإمارات، وكأنها تريد أن تقول: إن ما يخرج من النفط من «هرمز» يخرج عبر إرادتها، وما يدخل إلى «باب المندب» سيدخل أيضًا بإرادتها، والذي يقدر يوميًّا بأكثر من 18 مليون برميل من النفط، وبأكثر من نصف إنتاج منظمة «أوبك».

أرادت إيران القول: إنها القوة الأعظم في المنطقة، والمخاطب ههنا كل من العرب وأمريكا و«إسرائيل».. غير أن الديار عربيةٌ خالصة، والعزة عربية خالصة، وهما في مرمى نيران إيران؛ التي تقارب ساستها خفية مع إدارة «باراك أوباما»، ومن وراء ظهر العرب.

مؤخرًا أيقنت الحكومات العربية أنها رسالةُ تهديدٍ إيرانية؛ ولكن -للأسف الشديد- انقسمت ردة فعلها بين متناقضين.. فريق -أو تحالفٌ- راح يشنها حربًا على عملاء إيران في المنطقة شمالاً وجنوبا، وفريق راح يوطِّد علاقات ويصنع تقاربًا سريًّا أو علنيًّا مع «طهران».. ولئن قلنا: إن هذا التوجه الأخير إنما هو تحييدٌ إلى حين الاستعداد للمواجهة؛ فلعمري إنهم لكالمستجير من الرمضاء بالنار.

لقد تمكنت إيران -وبما تمثِّله من مذهبٍ شيعي إمامي اثني عشري بدعي أشبه بأن يكون دينًا مختلَقا، وبما تحمل من قومية فارسية، وبما تنطوي عليه من طموحٍ مذهبي وقومي أخذت تعمل على تحقيقه منذ قيام الثورة البائسة منذ 40 عامًا، وحين كنا ندرس ويكرر على مسامعنا أهمية موقعنا، ومدى الذخر الاستراتيجي لمضايقنا- تمكنت من بناء وتطوير قدراتٍ عسكرية برية وبحرية، فضلا عن نظامٍ سياسي لم تضعضعه عدة ثوراتٍ نشبت في الداخل الإيراني آخرها منذ أشهر، ولقد غرَّ إيران الغرور فسعت مجدَّةً في امتلاك برنامج نووي يسعى إلى تطوير قنبلة ذرية، برغم قلق ومعارضة العالم.

والسؤال الذي يتوجب طرحه: ماذا يتبقى لنا من مضايق؟ وما مدى جدوى وجودنا في «باب المندب»؟ وأين نحن العربَ من أية معادلةٍ عسكرية هنالك؟

الكاتب النافذة الاعلامية

النافذة الاعلامية

مواضيع متعلقة

اترك رد