“حيتان شريفة” لـ محمد الرحبي رواية تسرد ” الفساد في العالم العربي”

img

كتب : علي عليوة 

يفاجأ القارئ وهو يقرأ رواية الكاتب العماني محمد سيف الرحبي” حيتان شريفة” إلى مدى تقارب الأحوال الاجتماعية والسياسية والثقافية في البلدان العربية كافة. الرواية الصادرة مؤخراً عن الآن ناشرون وموزعون في عمّان، تتحدث عن الفساد، رجاله، وظروف وميكانيزمات نشأته السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

تدور أحداث الرواية في عُمان على ضفاف وادي سمائل، الذي يلجأ إليه شخص مجهول اسمه ماهل بن جمعة الحوت وعشيقته شريفة، مخفيين خلفهما قصة تبقى غامضة.

يبدأ الاثنان حياتهما من الصفر، ماهل يقوم بكل الخدمات المطلوبة لأهالي الوادي من الاعتناء بنخيلهم، حتى يصبح أكثرهم ثراء، ويتمكن من شراء الكثير من المزارع، والأملاك، ولم يعد ماهل ذاك الشخص الذي يخدم الآخرين.

يكبر أبناؤه الثلاثة، ويصل كبيرهم إلى مرتبة وزير، وعندما يخرج من السلطة، ويفقد لذة الجلوس على الكرسي، يحاول من خلال أحد الكتاب، أن يتحول إلى معارض أيضاً، وليقدم نفسه أنه كان من أهم بناة الوطن، وأن ما جاء بعده فرّط بالإنجازات، والثاني يصبح رجل أعمال كبير، يتشارك مع أخيه الوزير في نهب المال العام، وتسخير السلطة لصالح بناء ثروة طائلة، يتنازع عليها لاحقا مع أخيه، والثالث يدخل دوامة البورصات الوهمية، ليسقط من ارتفاع ساحق، ويتعرض للإفلاس والسجن، لكنه يحترف النصب والاحتيال في كل شيء، حتى السياسة، فهو يتحول إلى معارض يقود المظاهرات ضد الحكومة وضد الفساد. وفي رؤية قدمها الكاتب بمثابة خاتمة للرواية، يراه وقد رُشِّح لمنصب وكيل وزارة، بمثابة خطوة أولية ليرتقي بعدها، فهو في نهاية المطاف من سلالة الحيتان، التي لا يجوز أن تختفي . يحرك الحيتان جميعاً شخصية تقبع في الظل” الصاحب”.

الرواية تتعرض بالتفصيل لصعود الإخوة الثلاثة (حيتان شريفة) (ولاختيار العنوان دلالات ذكية من المؤلف، فقد اختار الكاتب اسم الحوت للشخصية الرئيسية ليحمل دلالة الشراهة والفساد كما رسخ في ثقافة الناس، وشريفة لتعطي عكس مدلولها، فأبناء الحوت الثلاثة، يدّعون الشرف، والأم التي حملت الاسم، لكن تظل تحوم حول ماضيها الشبهات.

الكاتب هنا لا يقدم للقارئ شخصيات استثائية، بل هي نماذج للشخصيات الفاسدة، وهي حالة تكاد تكون واحدة في البلدان العربية، فساد رجل السلطة، الذي يسخر سلطته للإثراء، وفساد رجال الأعمال بتزاوجه مع السلطة، وفساد النظام الاقتصادي والاجتماعي بشكل عام، فظواهر مثل البورصات الوهمية، والفقاعات العقارية، وغيرها، وانحدار القيم الاجتماعية، إذ ترفع من قيمة صاحب السلطة، والثروة والمال، وتدفع عامة الناس للتملق للسلطة ولأصحاب المال.

ورغم تركيز الكاتب على تتبع سيرة شخصيات الحيتان” غير الشريفة”، إلا أن الرواية أبرزت في خلفية العمل شخصيات أخرى، كانت الصورة الإيجابية المعاكسة لصورة الحيتان، هنا يُبرز الكتاب الروائي، المثقف، اليساري، الذي يكتب عن الفساد، وشخصية المعلم، والشيخ خالد بن ناصر، وكذلك بعض الشخصيات النسائية، وأولها” شريفة” زوجة ماهل جمعة الحوت، والدة الحيتان الثلاثة، ورغم أنها تزوجت ماهل الحوت، غير معروف الأصل، ورغم أن الكاتب لم يجزم بحكايتها ومقدمها إلى وادي سمائل، وارتباطها بماهل الحوت، إلا أنه يكشف بعض أسرارها، فهي ابنة عالم، ذكية، حكيمة، ماكرة، قوية الشكيمة، لكنها لم تكن على قدر من الجمال، وربما هو العمل الذي جعلها ترتبط بعلاقة غامضة مع ماهل الحوت، وتتزوجته، وتساهم معه ببناء ثروته، وتنجب له حيتانه الصغار.

يضاف إلى شريفة شخصية شمس، زوجة الابن الثاني لماهل الحوت، المرأة الصابرة الصامتة، ابنة الشايب حمّاد، والتي تتزوج صالح الحوت مضطرة، وتصمت، وتصبر على خيانة زوجها، وأخوه وزوجة أخيه الوزير مسعود .

هذه هي العلاقة الملتبسة بين الفاسدين والشرفاء، وهي صورة مصغرة للمجتمع، إذ تتداخل مصائر هاتين الفئتين، شريفة تتزوج ماهل الحوت الساعي إلى الثروة والسلطة، لتنجب نماذج متنوعة من الفاسدين، وشمس، تتزوج صالح لتنجب أبناء يتجهون للتعليم، والكاتب الذي لا يستغني عن علاقته بالوزير حتى يتمكن من تأمين لقمة عيشه، والشيخ خالد بن ناصر الذي  يحفظ سر الحوت، ويزوجه شريفة…

علاقات الفساد تبدو وكأنها غثاء، فقاعات، لا تغني صاحبها، وتبقى عقدة الانتماء عقدة العقد بالنسبة للفاسد، فها هو مسعود ابن ماهل الحوت “ لم يشقه شيء كخلو اسمه من قبيلة يتفاخر أبناء سمائل بلصقها شرفا في خاتمة أسمائهم حين ينطقونها لسائل مقيم، أو عابر درب.”

كتب الرحبي” ولد ماهل بن جمعه الحوت كبيرا، عرفته سمائل هكذا، لم يولد كما حدث لبقية أهالي حارة المكاتيب ولا غيرها من الحارات، يأتون من أرحام أمهاتهم أطفالا بالغي الصغر ليتنفسوا رائحة النخيل والأرض، فيها يعيشون وعليها يموتون، وفي ثراها يعودون للتراب مرة أخرى..

الحوت، كشريفة، نبت آخر، شجرتان لا يعرف ساكنو حارة المكاتيب لهما أصل اختارتا حافة الوادي، كأنهما لا تخشيان فوران الماء وقت السيل، ولا تباليان أي أرض أخرى سيجرفهما إليها ماء الوادي المندفع.

الحوت ارتفع كنخلة، عين المحتاجين لأي عمل في بيوتهم ومزارعهم لا تذهب بعيدا عنه.. لا يذكر كثيرون في سمائل أن اسمه ماهل، وأن أباه جمعة، اسم الحوت منارة يعرفها الناس، صغيرهم وكبيرهم، حيث لا ترى سمائل إلا الحوت، ويمكنها أن تنادي الحيتان بأسمائهم مع تفخيم لفظة القبيلة.

هارب من شيء ما..

هارب إلى شيء ما.

بين هروبين يمضي، يقتات من ماضيه، يعيش على حاضره، والمستقبل محض خداع، منذ أن التقى شريفة على مشارف وادي بدبد يشعر بخديعة ما، الأرض التي يسير عليها، السماء التي يمشي تحت سقفها، ثمة حيرة لا تتجاوزه، تسكنه حدّ إضاعته في متاهتها.

لا يعرف كيف التقى شريفة، ولا لماذا تبعها، قبل تلك اللحظة الحاسمة، حين قبض عليها عساكر الوالي، ولا انتظاراته في البرزة ليشهد من أجل المرأة القابعة في سجن حصن بدبد.. “

يذكر أن الكاتب والقاص محمد بن سيف الرحبي ولد في قرية سرور بولاية سمائل عام 1967م، حصل على شهادة ليسانس لغة عربية من جامعة بيروت العربية، ودبلوم دراسات عليا من معهد البحوث للدراسات العربية بالقاهرة.  عمل صحفياً عُمان ، ثم مدير تحرير  لها، ثم خبيرا إعلاميا بديوان البلاط السلطاني . كما عمل مراسلا صحفياَ لجريدة الحياة ولقناة LBC الفضائية اللبنانية، وكتب مقالات وتحقيقات في صحف ومجلات محلية وعربية.

أصدر ما يزيد على أحد عشر كتابا تنوعت ما بين الرواية والقصة وغيرها، ومنها: (بوابات المدينة)، قصص، و(ما قالته الريح)، قصص، و(أغشية الرمل)، قصص، و(وقال الحاوي)، قصص، و(حكايا المدن)، سرد عن المكان، و(شذى الأمكنة)، أدب رحلات، و(بوح سلمى)، سرد المكان، وقد ترجم هذا الإصدار إلى الروسية، و(بوح الأربعين)، ما يشبه السيرة، و(احتمالات)، مقالات ونصوص، و(رحلة أبوزيد العماني)، رواية، و(الخشت)، رواية، و(السيد مرَّ مِن هنا)، رواية.

فازت مجموعته (ما قالته الريح) بجائزة النادي الثقافي للإبداع القصصي، كما فازت بجائزة أفضل إصدار في الأسبوع الثقافي العماني، وفازت روايته( رحلة أبو زيد العماني) بجائزة الشارقة للإبداع العربي في الرواية، وفازت رواية (الخشت) بجائزة جمعية الكتّاب العمانيين في الرواية كما قدّم مجموعة من الأعمال المسرحية، مثل: (مرثية وحش)، و(سعادة المدير العام)، و(السهم)، و(أمنيات الحلم الأخيرة)، و(واا إصلاحاه)، و(ممنوع من النشر)، و(إنسان استراتيجي)، وقد جُسِّد بعضها على خشبات المسرح.

الكاتب النافذة الاعلامية

النافذة الاعلامية

مواضيع متعلقة

اترك رد