*المثانة الذكية

بقلم : الدكتور مهاب السعيد
أعلم أن مثانتك -كمعظم البشر- تتغابى كثيرًا، ففي أوقات الحاجة الشديدة لدخول الحمام تكون قدرتها على التحمل كبيرة جدًا فقط إلى اللحظة التي تقترب فيها بالفعل من أحد دورات المياه، حينها تصاب مثانتك بالجنون الفوري، وتفقد كل قدرتها على التحمل..!
وسبب ذلك أن خلاياك العصبية على قدر من الذكاء يجعلها لا تستثار كثيرًا بالإشارات التي ترسلها لها المثانة حتى يكون هناك مجال لإفراغها بالفعل، خلاياك العصبية وقتها تحرص على ألا تحيل حياتك جحيمًا..!
لحسن الحظ مثانتك لا تتغابى عند النوم، برغم أنك قد تنام أكثر من سبع ساعات متواصلة إلا أنها لا تزعجك في الغالب برغبتها في دخول الحمام، هذه المرة فالسبب هو هرمون الـ ADH الذي يزداد إفرازه بشكل ملحوظ من غدتك النخامية ليلًا عند النوم، فيعمل الهرمون على تقليل ترشيح الماء من الكلى إلى المثانة، بمعنى آخر كمية بول أقل في مثانتك تستطيع تحمّلها، حتى تواصل نومك من دون أن تبلل فراشك.
وحين تصاب بالرعشة في البرد وترتجف فإن جسدك في الحقيقة لا يقوم بعمل عابث، بل هو يعلم تمامًا ما يفعله، هذه الرعشة مسئوولة عن إكساب الحرارة بالطاقة الحركية لخلايا جسدك التي تعاني من نقص درجة الحرارة في هذا الجو البارد، فيبقى سيتوبلازم الخلايا في حالة سائلة ودرجة لزوجة مناسبة.
تتثاءب فتعلم أن جسدك يحتاج إلى النوم، يسيل لعابك فتعلم أن الطعام الشهي الذي أمامك مفيد لك غذائيًا، تعطش فتتدارك نفسك قبل أن تدخل في نوبة جفاف، وتشعر بالألم فتفهم أن هناك جرح لا تراه في ظهرك يحتاج إلى أن يُعالَج حتى لا يتلوث..
جسدك يعتني بنفسه بشكل جيد، بل بشكل ممتاز..! وربما أكثر من أي كائن حي آخر..! لا يوجد الكثير مما تقلق بشأنه بخصوص جسدك وقدرته على تكييف أوضاعه مع الظروف المحيطة، لقد خلقك الله بنظام تشغيل داخلي رائع وUpdates  متجددة في كل ثانية..! قد فرّغك الله من مشقة الاعتناء بتريليونات الخلايا التي تملكها، وهناك جيوش من الإنزيمات والهرمونات والأنسجة الضامّة المتخصصة تسهر على عنايتك 24/7..
ترى هل أرادنا الله أن نتفرّغ لما هو أهم من تنظيم جدول إفراغ مثانتنا أو ملء بطوننا؟ ترى هل أرادنا الله أن نهتم بكل تلك الأشياء الرائعة التي تكوّن جوهر الإنسان حقًا؟
التأمّل والتعقّل والارتقاء والاعتبار والتمييز والإحساس وتحمل المسئولية وإدراك المآل وإرادة العُلى، لا بد أن هذه هي الأشياء التي أراد الله لنا أن تكون شغلنا الشاغل، لا بد أنه فرّغنا من مسئوليات الجسد لأنه يحب لنا أن نتميز كبشر على أن نكون عبيدًا لأجسادنا! مثلما قال سبحانه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾..
نعم، لأولي (الألباب)..!

الكاتب النافذة الاعلامية

النافذة الاعلامية

مواضيع متعلقة

اترك رد