أمانيُّ “بُمبيو” الوهمية ضد إيران النووية

img

محمد صقر 

“على إيران التخلي عن برنامجها النووي والصاروخي، وعليها فتح جميع أبواب منشآتها النووية والعسكرية أمام المفتشين الدوليين، وعدم تهديد إسرائيل مطلقًا، وعليها التوقف الفوري عن دعم حركات المقاومة الإسلامية في فلسطين؛ خاصة حماس والجهاد، والتخلي عن دعم فلسطين، والانسحاب من سوريا، والتوقف عن دعم الشعب اليمني، وتغيير سياستها بالكلية في المنطقة والعالم، والتقدم طواعية للولايات المتحدة الأمريكية معلنة قبول كل الشروط الأخيرة، وما يُستجد من شروط مستقبلية، وإلا ستواجه ضغوطًا مالية غير مسبوقة وعقوبات هي الأقوى تاريخًا”.

جملة من الإملاءات الأمريكية تشترطها الولايات المتحدة -على لسان وزير خارجيتها “مايك بُمبيو”- ضد إيران؛ من أجل توقيع اتفاقية نووية جديدة؛ بديلة عن تلك التي انسحبت منها الولايات المتحدة في نيسان الماضي.

على رغم غرابة وشذوذ وعُنجهية الشروط؛ التي يقول مروِّجها “بمبيو”: “تبدو غير واقعية.. إلا أنها أساسية”؛ فإن الولايات المتحدة -على ما يبدو- تفهم الدرس؛ فتغالي في الشروط، وترفع سقف المفاوضات؛ من أجل كسب الوقت والمال على حساب الأطراف جميعًا.

هذه الشروط إنْ هي إلا أمانيَّ؛ لا تتحقق في الواقع المعاش. لطالما رأينا الأمريكان يبالغون في الاشتراطات على الدول المعارضة لسياستهم، ويغلب على الظن أنهم يعرفون أنها محض أمانيٍّ تخالط عقول الإدارات الأمريكية المتعاقبة فحسب؛ ومن ثم فإن أغلبها لم يرَ النور، ولن يراه مستقبلا؛ فإن الحقائق فقط هي ما يتحقق، والوقائع فقط هي ما يصبح واقعا.

إن “بُمبيو” نفسه يؤكد -ولو ضمنيًّا- أن الرئيس الأمريكي “دونلد ترمب” لا مشكلة لديه مع الأنظمة النووية، بدليل التقارب غير المسبوق منذ عقود في السياسات الأمريكية نحو كوريا الشمالية.. لقد قفز “ترمب” قفزتين في الهواء؛ الأولى مسامحة للغاية تكاد تكون تنازلا بغير مقابل، فيما يتعلق بكوريا الشمالية، والثانية تتسم بالخسة ونقض العهد، فيما يتعلق بإيران.

غير أن سياسة الإدارة الأمريكية الحالية تكشف عن مبدإٍ ذي بعدٍ عقدي، بعد صليبي في الأساس.. يجب ألا يمر على أي محلل يتصدى لسبر غور السياسة الأمريكية أنها تكيل بمكيالين على أساس الديانة بالمفهوم غير الأدلجي.. نحن شديدو الانتقاد لإيران؛ مذهبًا وسياسة، لكن أمريكا تعامل إيران كدولة إسلامية تطمح إلى امتلاك برنامج نووي وقنبلة ذرية من منطق صليبي.. ترى أمريكا ألا مشكلةَ في امتلاك نظامٍ شيوعي متطرف قنبلة ذرية وصواريخ بالستية قادرة على عبور المحيط إلى أراضيها، وأن المشكلة الحقَّ إنما هي في نظام إسلامي على تخوم الكيان الصهيوني.. المشكلة في ذهن الإدارة الأمريكية إنما هي في الإسلام.. التخوف الأمريكي إنما هو من أن يسحب نظام إسلامي طرف البساط من تحت أقدامِ الغرب، بينما تُرجأ الصين وحلفاؤها، بل ويسامحون إلى مدىً بعيد.. إنهم شيوعيون لا إسلاميون.

لا يعير “ترمب” مصالح شركاء العهد النووي أية أهمية.. ويعلن انسحابه من اتفاق نووي بُذل في إرسائه وقت وجهد، وهللت له وعملت بمقتضاه أوربة كشريكٍ أصيل؛ غير أن “ترمب” لا يجد غضاضة بل يجد متعةً في لحسِه، ويعلي سقف الأماني والأحلام ذات التفكير بالصوت المرتفع إلى الدعوة والسعي إلى تغيير النظام في إيران عبر الضغط الاقتصادي، على أمل حدوث استياء شعبي يؤدي إلى اضطراباتٍ أو ثورةٍ إيرانية تنجح في إحدى المرات.

تستغل أمريكا حالةً من الفقر والعوز وضيق الأفق السياسي والأمل المجتمعي تضرب إيران؛ لتحذف أربعة عقودٍ من تاريخ إيران منذ قامت ثورة الملالي عام 1979م، التي أطاحت بكبير عملاء الأمريكان الشاه محمد رضا بهلوي، وتسعى أمريكا غير مستخزية إلى إعادة حفيده إلى سدة الحكم في إيران كعميل جديد.

يحدث “بمبيو” ضجيجًا دبلوماسيا لا يقل عن ضجيج رئيسه، في ظل انحسار الداعمين للأمريكان في الغرب وخاصة أوربة، واستعلان عملاء الشرق الأوسط بمواقفهم المرفوضة شعبيًّا؛ لكن هذا الضجيج كله لن يسفر عن طحين حقٍّ كثير.

عقوبات اقتصادية، حصد أموال، مزيد من التعنت الإيراني في مقابل شروط غير واقعية، خلاف دبلُوماسي علني بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي.. وهذا كل شيء.

“ترمب” نفسه ووزير خارجيته “بُمبيو” على المحكِّ؛ ففي حال أكمل مدته فمن غير المنطق أن يعيد الأمريكان انتخابه بعد عامين من الآن. عامان ليسا بالزمن الطويل الذي تتبدل فيه أحوال الدنيا.

تذهب الشروط الأمريكية المتعجرفة أدراج الرياح، وقد تذهب أمريكا بعد “ترمب” بقليل، ترضى إسرائيل قليلا وتطمئن إلى صياح “بُمبيو”؛ إذ يصدر أوامره لإيران نظامًا وشعوبا، ويطمئن الخليج بانسحاب إيران من سوريا والتوقف عن دعم شيعة العراق وحوثيي اليمن و”حزب الله” اللبناني.. وإن شيئًا من هذا لن يتغير.

غير أن أحوال الدنيا ستتبدل حتمًا، وفي غير زمان “ترمب”.. “ترمب” رجل المال السكير والمهووس جنسيا، غير جدير بإحداث سياسات تبقى على المدى البعيد؛ هو مهتم بالفرقعات الإعلامية، وهو نجم هواءٍ ومصارع ممثل؛ يطلق ضرباتٍ في الهواء ولا بأس أن يتلقى بعضًا منها؛ فالكل يجعله في دائرة الضوء، يفرض مطالب مستحيلة، ليستثمرها كمقاول كبير في سوق يضج بصغار المضاربين.. حقًّا لقد حول السياسة العالمية إلى مضاربةٍ في بورصة.. ساعة بعد ساعة تنقلب الأوضاع، لكنه الانقلاب الطفيف الذي لا يشغل الراسخين في السياسة، ولا الأنظمة المستتبة.. “ترمب” وإدارته في الأخير مجموعة من الساسة الهواة، لم يدخلوا كلية ولم يقرءوا كتابًا سياسيا، أو كأنهم!!

الكاتب النافذة الاعلامية

النافذة الاعلامية

مواضيع متعلقة

اترك رد