الأزهر بين لطميات الفاطميين ودعوات الموحدين

img

الطلاب الوافدون بالأزهر مشاعل هداية في بلادهم

سفراء الأزهر وحمل لواء الدعوة

كتب : نجاح شوشه

لأمير الشعراء أحمد شوقي قصيدة رائعة مدح فيها العلماء العاملين من شيوخ وطلاب الجامع الأزهر؛ تحية لمواقفهم وتضحياتهم من أجل دعوة الإسلام وأمة المصطفى صلى الله عليه وسلم عبر العصور قال في مطلعها.

قم في فم الدنيا وحّيي الأزهرَا *** وأنثر على سمع الزمان الجوهرَا

كانوا أجل من الملـوك جـلالةً *** وأعز سلطـــاناً وأفــخــم مظهــرًا

فبعد احتلالهم لمصر؛ قررت الفاطميون جعل الأزهر مؤسسة نافذة لتشييع المصريين والترويج للمذهب الإسماعيلي، بدءاً بالأذان الشيعي، وانتهاءًا بسب الصحابة الكرام، ومن أجل ذلك الهدف أوقفوا الأوقاف على المعلمين والقضاة الشيعة الذين يدرسون بالجامع؛ وكذلك على الطلاب والمريدين.

لكن يأبى الله عزوجل إلا أن تكون تلك المؤسسة منبرًا لسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم وقبلة للدعاة وطلاب العلم في سائر المعمورة.

ومع سقوط الفاطميين على يد صلاح الدين الأيوبي توقفت خطبة الجمعة، حتى جاء المماليك وأعادوا له بريقه الذي كان؛ لكن بنكهة سنية؛ وأعيدت الجمعة في الأزهر بأمر السلطان بيبرس عام 1266م، واستعاد المسجد شهرته السابقة، وعادت رواتب الطلاب والمعلمين، وبدء العمل لإصلاح الجامع الأزهر وإعادة ترميمه.

وعلى منبر جديد أقيم على أنقاض منبر البدعة، وقف خطيب الجمعة لأول مرة في يناير 1266، ليترضى على أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، في مكان كان يسب فيه كل منهم.

ولم يغلق الأزهر عندما جاء الناصر صلاح الدين كما يقول البعض، غاية ما هنالك أنه ألغيت خطبة الجمعة فقط، نظرا لإقامة الجمع بالمساجد الجامعة، لكن الدراسة لم تتوقف فيه يوما، وبعد عهد الناصر أقيمت الجمعة مرة أخرى ومن يراجع عجائب الآثار للجبرتي يجد الأحداث مسجلة بدقة حيث أنه كان معاصرا لتلك الأحداث.

الأزهر ولواء مقاومة المحتل

بعد هزيمة المماليك أمام جيش نابليون بونابرت، وأمست القاهرة بلا جيش، اجتمع العلماء والأعيان في صحن الجامع الأزهر؛ للتشاور في مصيبة الفرنسيين، وكانت خطتهم هي الإعداد للثورة ضد المحتلين.

وأطلق العلماء شرارة الثورة، وأرسلوا إلى سائر المؤذنين في مساجد القاهرة الأربعمئة ليطلقون صيحة (حي على الجهاد) فخرج الناس يطلبون قتال الكفار بكل ما أوتو من قوة، فما كان من نابليون إلا أن نصب المدافع فوق قلعة صلاح الدين ليضرب حي الأزهر معقل الثورة، فدفنت عائلاتٌ بأكملها تحت الأنقاض، وسالت الدماء الذكية، ودخل الفرنسيون الأزهر بخيولهم وربطوها في قبلته، وقتلوا من احتمى به من العلماء والطلاب.

وهب المصريون يدافعون عن أزهرهم من حدب وصوب لا يخافون مدافع الفرنسيين واشتعلت القاهرة بثورة حطمت ما تبقى من معنويات الحملة بعد هزيمتها العسكرية في عرض البحر أمام الأسطول الإنجليزي في أبي قير.

وعندما هرب نابلون عائدا إلى فرنسا في ظلمة الليل البهيم، تاركًا قيادة الحملة إلى كليبر قرر “سليمان الحلبي” أحد طلاب الأزهر أن يقتل رمز الاحتلال وبالفعل أعد العدة وتنكر في زي متسول وطعن كليبر عدة طعنات أودت بحياته ثم قتلوه بعد ذلك بأبشع أنواع القتل كي يلقوا الرعب في نفوس الثوار، لكن ذكره الطيب بقي كقدوة لطلاب الأزهر الرافضين للظلم والعدوان.

شيخ العامود

في صحن الجامع الأزهر 76 عامودًا، وكان يجلس تحت كل واحد منها شيخ يشرح متنا من متون العقيدة أو الفقة، ولم تكن ثمة مناهج محددة بل كان أساس الدراسة هو الكتاب ذاته بين المعيد (من يعيد الأفكار الأساسية للدرس وهو كبير طلبة العلم بين يدي الشيخ) والمفيد (بمثابة تسجيل بشري لما يقول الشيخ، والذي يلجأ إليه الطلاب لاستيضاح ما أشكل عليهم حال انشغال الشيخ.

الشيخ الجرجاوي ونشر الدعوة في اليابان

جعل الله الأزهر سببا في إسلام آلاف المسلمين باليابان، ففي عام 1906 قرر شيخ أزهري بصعيد مصر يدعى على الجرجاوي بيع (5 أفدنة) كانت كل ما يملك ليستخدم أموالها نفقةً على رحلته الدعوية إلى اليابان، وذلك بعد أن وقع عليه الاختيار لحضور مؤتمر للأديان، وعاد من تلك الرحلة ليؤلف كتابا عنونه بـ “الرحلة اليابانية”.

وقد رافق الجرجاوي شيخان أحدهما روسي والآخر صيني حيث لزماه طوال رحلته في اليابان بداية من يوكوهاما، ثم العاصمة اليابانية طوكيو، والتي شارك في المؤتمر الذي ذهب من أجله، مستغلا إقامته هُناك في الدعوة إلى الله تبارك وتعالى وأسس جمعيةً إسلامية استأجر مقرّها من تاجر ياباني.

وذكر الشيخ في كتابه أن “جازييف”،  أوّل ياباني أسلم على يده قد ساهم في ترجمة خطبٍ ولقاءات إسلامية كان الشيخ يكتبها وينشرها على اليابانيين، وقد جعلها الله سببا في إسلام نحو 12 ألف ياباني.

كلية للوافدين

التقت “العامل المصري” مع الدكتور عبدالمنعم فؤاد عميد كلية العلوم الإسلامية للوافدين الناطقين بغير العربية، والذي أشار إلى أن أعداد الوافدين بجامعة الأزهر بلغت 40 الف طالب وطالبة من بينهم نحو أربعة آلاف يدرسون بنظام المنحة الدراسية التي لا يتكلف الطالب فيها أي شيء، فإقامته ومصروفاته تكون على نفقة الجامعة ويتقاضون مرتبات تعينهم على تكاليف الحياة، وذلك حتى ينهي الطالب دراسته ويمنح درجة الدكتوراه ويعود إلى بلاده.

وقال فؤاد: “إن دول هؤلاء الطلاب تأتمن الأزهر عليهم، وهؤلاء الأربعون ألفا ليسوا سوى امتداد لأجدادهم الذين التحقوا بالأزهر منذ مئات السنين، ولا تتعجب إذا رأيت الطالب وافد ابنا لأب كان يدرس في الأزهر يوما ما، وكذلك الجد أيضا، وهذا مثال متكرر”

وحول نظام الدراسة بالكلية قال فؤاد في تصريحاته لـ “العامل المصري” إن الدكتور المحاضر لا يسمح له بأن يتحدث للطلاب الوافدين إلا بالعربية الفصحى ويلتزم في وقت الدرس حضورا وانصرافا، والمحاضرة لا تزيد عن 55 دقيقة، وتقسم كل فرقة دراسية إلى مجموعات متوسطها 20 طالب في كل مجموعة، كل هذه الضوابط تجعل الطالب يتلقى المعلومة بهدوء وكأنه يجلس في درسٍ خصوصيٍ”.

وأضاف أنه إذا أراد المحاضر أن يجلس فترة أطول مع طلابه فإنه ينتظر بعد أن تنتهي المحاضرة التالية ثم يدخل مرة أخرى ليكمل مع الطلاب، وكل ذلك مدروس حتى يستوعب الطالب ما يقال لهم، لافتا إلى أن الأساتذة المحاضرين ينتقون بعناية وحسب خبرتهم في التعامل مع الضيوف، فمن الأهمية بمكان أن يكون المحاضر ملمًا بأحوال الدارس وظروف بلده، وبالبيئة التي نشأ فيها الطالب، وكذلك عاداتهم وتقاليدهم.

وحول النشاط الطلابي بالكلية أشار عميد كلية العلوم الإسلامية إلى أن “الجامعة تنظم للطلاب رحلات تثقيفية وترفيهية تعرفهم بمصر، ومن بين البرامج رحلات تعرفهم بآثار مصر على مر العصور التاريخية، حتى لا يقال إن الإسلام يأمر بتحطيم الآثار، بل يتخذ منها عبرة وعظة كما قال الله تعالى في كتابه الكريم: “أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ…..”

وفيما يتعلق بالمناهج التعليمية قال فؤاد إن “المواد الشرعية أصول الدين والشريعة مواد أساسية أضف إليها مواد أخرى تفيدهم في بلادهم مثل (جغرافية العالم الإسلامي، الاقتصاد الإسلامي، معاملات البنوك على ضوء الشريعة الإسلامية، علم الاجتماع، علم النفس، التعامل مع برامج الحاسوب)، مشيرا إلى أن هذا كله يحتاج إليه  الوافد في بلده، يحتاج أن يعلم تضاريس البلدان من حوله، أن يعلم الحرف والصناعات التي تغلب على سكان بلد بعينه، وبعاداتهم وتقاليدهم، حتى إذا ما طلبت منه دراسة شرعية؛ استطاع أن يحلل مضمونها ويفسر ما التبس منها.

وذكر العميد أن كلية العلوم الإسلامية تعلمهم الوافدين كيف يحاورون أصحاب الغلو، وأهل الإلحاد بالعقل والحجة المنطقية حتى يهدموا القضايا التي يستندون إليها حتى يقف الملحد أمام السؤال البديهي: من أوجد الوجود، فتكون الإجابة: قل هو الله أحد، فلم نخاطبه أولا بالقرآن لأنه لا يؤمن به، مضيفا أنه بخلاف المناهج التعليمية يتعلم الطلاب الوافدون أدب الحوار واحترام المخالف والرقي في التعامل النابع من سماحة الإسلام.

وصرح فؤاد بأن الطلاب الوافدين بالكلية لا يرتبطون بكتاب الأستاذ، بل يتعاملون مع كتب التراث والأستاذ ينزل معهم المكتبة ليعلمهم كيف يستخرجون المعلومة والدليل، وكيف يرجحون بين الأقوال، كل هذا لأننا نخرج طالب علم وليس طالب جامعة؛ لأننا سنصدره إلى العالم حاملا لرسالة الإسلام.

وأعرب الدكتور عبدالمنعم فؤاد عن افتخاره بأن جامعة الأزهر هي  الجامعة الوحيدة بمصر التي تمنع الاختلاط بين الجنسين في العملية التعلمية، وكذلك الخدمات المقدمة من الجامعة تراعي ذلك المبدأ مثل (العيادات الطبية المكتبة وغيرها)

خريجو الأزهر سفراء الدعوة

أثنى الدكتور ابرهيم الهدهد نائب رئيس جامعة الأزهر لشئون التعليم والطلاب على دور الأزهر في نشر الدعوة واللغة العربية منذ أكثر من 520 عاما عندما بدأ يستقبل الطلاب الوافدين لدراسة علوم الشريعة وعلوم اللغة في رحابة من شتى بقاع الأرض وكانوا يأتون من بلادهم يدرسون في الأزهر على منح من الأزهر وقد امتلأت الرواقات بالدارسين حتى بلغت 19 رواقًا (أروقة للشوام والمغاربة والأفارقة والأتراك على اختلاف مناطقهم وأروقة الشرقيين) حتى امتلأت عن آخرها وضاقت الأروقة من كثرة الطلاب القادمين من بقاع الأرض كلها.

وفي عام 1954 نشأت فكرة مدينة البعوث ميلادية لاحتواء وتسكين الطلاب الوافدين؛ وذلك لمسيس الحاجة في أماكن تستوعب الأعداد المتزايدة .

وقال الهدهد إن هولاء الوافدين كانوا يعودون لبلادهم حملة هداية ومشاعل هدى للعالمين من بعد ما تعلموه من وسطية الإسلام ومن بعد ما أتقنوا اللغة العربية فنشروها في بلادهم، بل ألفوا بها كتبا في فروع العلم المختلفة، مضيفا أن هؤلاء الوافدين لم تقتصر دراساتهم على مرحلة الإجازة العالية أو الليسانس بل نالوا درجات الماجستير والدكتوراه وذهبوا علماء في بلادهم.

وساق الهدهد عددا من الأمثلة لطلاب وافدين صاروا مسئولين كبار في بلادهم فقال:

“الحكومة الإندونيسية اليوم بها 7 وزراء كلهم من جريجي الأزهر الشريف، حكومة سلطنة بروناي بها 4 وزراء كلهم من جريجي الأزهر الشريف، والمفتي العام الحالي في روسيا تخرج في كلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر، ومفتي البوسنة والهرسك السابق الدكتور مصطفى سرايتشو تخرج أيضا في كلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر، وسجل الدكتوراه مباشرة في أمريكا، كذلك الدكتور مأمون عبدالقيوم الرئيس السابق لجزر المالديف تخرج في كلية أصول الدين جامعة الأزهر ثم نال الماجستير والدكتوراه في التفسير وعلوم القرآن”.

وأردف الهدهد أن الأزهر الشريف يحمل رسالة الإسلام التي لا غلو فيها ولا تفريط وينشر اللغة العربية عبر الطلاب الوافدين الذين صاروا سفراء منتشرين في بقاع الأرض.

وقال إنه في هذه اللحظات التي نتحدث فيها يدرس في الأزهر الشريف بمرحلتيه التعليم الجامعي وما قبل الجامعي أكثر من أربعين ألف طالب مبتعث من نحو 106 دولة من دول العالم، من بينهم نحو أربعة آلاف يدرسون بنظام المنح الدراسية من الأزهر والباقون يدرسون على حسابهم الخاص أو على نفقة دولهم.

المرونة في تطبيق القرارات

أكد نائب رئيس الجامعة أن الأزهر يتابع طلابه بعد العودة إلى بلادهم عن كثب، وعندما تعرض خريجوا الكليات الشرعية الأزهرية للتمييز في بعض الدول ومنعوا من تقلد بعض الوظائف، سمحت الجامعة لطلاب تلك الدول بدراسة العلوم التطبيقية في كليات الطب والهندسة على أن يدرسوا عاما كاملا في مركز اللغة العربية حيث يجتازون أكثر من سبع مستويات يتقنون من خلالها اللغة بشكل جيد بالإضافة إلى أنهم يدرسون في تلك الكليات المواد الشرعية كالفقه والعقيدة والحديث والأخلاق واللغة العربية فهم يجمعون بين الأمرين، مشيرا إلى أن هذا الأمر يطبق مع طلاب دول أثيوبيا وأريتريا وأوغندا وجنوب أفريقيا وبعض دول جنوب شرق آسيا مثل تايلاند حيث الأقلية الإسلامية وبعض دول روسيا الاتحادية.

وأضاف أن الأزهر ينشر اللغة العربية من خلال مبعوثيه من علماء الأزهر الذين يتم إيفادهم إلى الخارج ويخرجون على نفقة الأزهر، فمثلا توجد بعثات أزهرية في داغستان وكازاخستان وقيغيزستان وتترستان وماليزيا والهند وبعثات أفريقية.

التواصل بعد العودة

مع انتهاء سنوات الدراسة والعودة إلى الوطن لا بد من دوام التواصل بين التلميذ ومعلميه، وهذا ما يشير إليه الدكتور أحمد زارع الأستاذ بكلية الإعلام والمتحدث الرسمي لجامعة الأزهر، والذي قال إنه علاوة على التواصل الشخصي غير الرسمي بين الطلبة والمعلمين، تم إنشاء رابطة خرجي الأزهر بفروعها في الدول المختلفة مثل (إندونيسيا – ماليزيا – باكستان – مالي –  فلسطين – جزر القمر-  بريطانيا – الهند – كينيا – الصومال – السودان – تايلاند – تشاد)

وقال زارع إن الرابطة تهدف إلى تيسير الوصول إلى الآلاف من خريجي الأزهر بالخارج، وتوطيد الروابط فيما بينهم والتعاون على البر والتقوى من خلال الأنشطة التي تقدمها الرابطة لأعضائها، وإرشاد الراغبين في استكمال مرحلة التعليم العالي ونيل درجة الماجستير و الدكتوراه.

وتدرس الرابطة مجموعة من المقترحات بهدف توثيق الصلة مع خريجي الأزهر في سائر بقاع العالم من خلال التنسيق مع وزارة الخارجية والبعثات الأزهرية المصرية.

وفيما يخص دور الرابطة في التواصل مع الطلبة الوافدين الموجودين بمصر، قال زارع إن الرابطة تعقد الاجتماعات المستمرة مع الطلاب لمعرفة مشاكلهم ومحاولة حلها علاوة على عقد أربع مؤتمرات سنوية لمناقشة المستجدات.

ولفت المتحدث الرسمي لجامعة الأزهر إلى أن الطلاب الوافدين قد انتظموا في كيان منتظم تحت اسم “برلمان الوافدين” لمناقشة قضاياهم ويحرص على حضوره شيخ الأزهر بصفة شخصية لمتابعة مشكلاتهم والعمل على تزليل الصعوبات في طريقهم.

الكاتب النافذة الاعلامية

النافذة الاعلامية

مواضيع متعلقة

اترك رد